عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

61

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

القرآن ، كيف نسخت ديوان الإعجاز أينما توجه من القصص والأخبار والحكم والأمثال ، في بيان الحلال والحرام وأدلة التوحيد ، وتزوير الوعد والوعيد ، والترهيب والتهديد والترغيب ، وتبيين الفرائض والأحكام في أحسن السياقة والنظام ، وانظر كيف يخرج ويتخلص من فن إلى فن ، وكيف ينتقل من معنى إلى معنى من غير خلل بلغ خلال البلاغة ، ولا نقص يأخذ من المعاني ، ولا مقطع ينبو الطبع عنه ولا مطلع يكد السمع منه ، وتأتيك اعتبارا من القصص سورة يوسف بكمالها ، توقف بفكرك عند قوله : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [ يوسف : 80 ] ترى ما البلاغة ، يترقرق تحاسين نظمه ، وبين أدلة التوحيد تأمل قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] وقوله تعالى : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] كيف يلعب بالعقول من وجازة لفظه ومتانة معناه ، ومن باب الوعد والترغيب فتصفح قوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ الأنعام : 160 ] الآية . وقوله : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] . وقوله : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ( 60 ) [ الرّحمن : 60 ] . ومن باب الوعيد : قوله : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النّساء : 123 ] وأما من قسم الفرائض والأحكام فتأتي في عشر يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ النّساء : 11 ] كيف بين حظوظ الورثة من غير إخلال بالفصاحة ؟ ومن باب الطب : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ الأعراف : 31 ] . ومن باب أحكام الحلال والحرام فتفحص قوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [ البقرة : 275 ] . ومن قبيل الحكم والأمثال فتأمل قوله : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ [ الأنعام : 67 ] لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرّعد : 38 ] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] . وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [ الحجّ : 18 ] . ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [ الحجّ : 73 ] . وامتص بفكرك مصاص البلاغة وطراوة الفصاحة من أفانين النظم . قوله تعالى : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ [ التّوبة : 5 ] وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [ البقرة : 93 ] وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] . فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : 94 ] . وقد سمعها أعرابي فسجد لفصاحتها وقوله : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً [ الزّخرف : 5 ] . فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ [ الكهف : 11 ] وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [ الأعراف : 149 ] . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ [ الأنبياء : 18 ] . فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ [ المائدة : 30 ] . هذه وأمثالها إذا طرقت الأسماع تتلذذها وإذا لاقت الطباع تمازجها ، وإذا وردت لقلوب تروحها وتصفيها ، وإذا هبت على الأرواح تصقلها بل تنورها وتخلقها بأخلاق مكملها ، ولو عرجت إلى فواصل